عبد الرحمن العليمي الحنبلي
50
الدرّ المنضد في ذكر أصحاب الإمام أحمد ( رض )
يشمّهم ويمسح بيده على رؤوسهم وعينه تدمع ، فقال له رجل : لا تغتمّ لهم يا أبا عبد اللّه ، قال الراوي : فأشار بيده فظننّا أن معناه أنى لم أرد هذا المعنى ، وجعل يدعو لهم ، واشتدّت به العلّة يوم الخميس فلما كانت ليلة الجمعة وهو موجّه إلى القبلة شرع الحاضرون في تلقينه فيقول : لا إله الّا اللّه ويرددون ذلك عليه وهو يهلل متوجه إلى القبلة واستقبلها بقدميه ، فلما كان صدر النّهار من يوم الجمعة الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين قبض رحمه اللّه ، وله سبع وسبعون سنة ، فصاح الناس وعلت الأصوات بالبكاء حتّى كأنّ الدّنيا قد ارتجت ، ثم غسّل وكفّن في ثوب مروزىّ كان له ، وكان بعض ولد الفضل بن الرّبيع قد أعطاه وهو في الحبس ثلاث شعرات من شعر النّبى صلّى اللّه عليه وسلم فأوصى أن يجعل في كل عين شعرة وعلى لسانه شعرة ، وحملت جنازته وصلّى عليه محمّد بن عبد اللّه بن طاهر ، وكانت الصّفوف / من الميدان إلى قنطرة باب القطيعة ، وحزر من حضرها من الرّجال بمائة ألف . ومن النّساء بستين ألفا ، غير من كان في الطرق وفي السّفن وعلى السّطوح ، وقيل أكثر من ذلك ، ودفن بباب حرب ببغداد وقبره ظاهر مشهور يزار ويتبرّك به « 1 » ، وما خلّف إلّا ستّة قطع أو سبع في خرقة كان يمسح بها وجهه ، وقال أمير المؤمنين المتوكل على اللّه لابن طاهر : طوبى لك صلّيت على أحمد بن حنبل ، وروى الأئمة الثّقات أن عبد الوهاب الورّاق قال : ما بلغنا أنّه كان للمسلمين جمع أكثر منهم على جنازة أحمد بن حنبل إلّا جنازة في بني إسرائيل ، وأسلم يوم مات أحمد بن حنبل عشرون ألفا من اليهود والنّصارى والمجوس ، ووقع المأتم والنّوح في الطّوائف كلّها المسلمين واليهود والنّصارى والمجوس ، وكان الإمام أحمد يقول : بيننا وبينهم يوم الجنائز ؛ يعنى أهل البدع ، فأظهر اللّه صدق مقالته ، وأوضح ما منحه من كرامته . وقد ذكرت في « الطبقات الكبرى » ما رؤى له / من المنامات في حال
--> ( 1 ) التبرّك بالقبور من البدع المستحدثة في الدين .